Showing posts with label كتاب. Show all posts
Showing posts with label كتاب. Show all posts

Monday, August 28, 2017

الإتحاد السوفيتي من عهد لينين الى عهد غورباتشوف







 كنت قد كتبت هذا الموضوع في التسعينات ليكون الفصل الأول لكتاب ذكريات وأحداث سوفيتية إلا أنني قررت  لاحقا  أن يقتصر الكتاب المذكور  على الفترة التي عشتها وشهدت أحداثها فعلا. 
قبل أيام دخلت في مذاكرة عن الإتحاد السوفيتي مع بعض المعارف وأبدوا إستغرابهم وإهتمامهم بما حدثتهم به .
عدت الى هذا الفصل  المختصر كثيرا فوجدت فيه الكثير من الأمور التي قد يهم الأصدقاء معرفتها  مثلا إتفاق ستالين وهتلر في ملحق سري لاتفاقية عدم الإعتداء يتضمن تقاسم المناطق المحيطة بروسيا وألمانيا . وقصة أشجار التفاح في حديقة شقيقة خروتشوف وقصة المعلم والزراعة المغطاة وطرائف بريجينيف وغيرها.
  
الأتحاد السوفيتي من عهد لينين الى عهد غورباتشوف في سطور
المحتويات :
·        تأسيس الإتحاد السوفيتي
·        البناء بدافع العقيدة و/أو الخوف
·        السياسة الغربية تجاه الا تحاد السوفيتي
·        صعود الفاشية في المانيا
·        الهجوم الألماني على الاتحاد السوفيتي
·        الحرب الباردة
·        الاقتصاد السوفيتي ما بعد الحرب
·        الأوضاع المعيشية والغذائية للسكان
·        ترسيخ الانقسام الدولي
·        يوم الصواريخ الكوبية
·        انتهاء عهد خروتشوف
·        عهد بريجينيف
·        عهد غورباتشوف  

تشكيل الاتحاد السوفيتي على أساس حق الانتماء الحر وحق الانفصال الحر لجمهورياته .
بعد ان نجحت ثورة اكتوبر الشيوعية في روسيا في 17 اكتوبر حسب التقويم الروسي القديم (7/11/1917) حسب التقويم الميلادي وانتهت الحرب الاهلية و الحرب الروسية اليابانية (1918-1920) و ثبت الشيوعيون اقدامهم و نشروا سوفيتاتهم (مجالسهم  ) في ارجاء الامبراطورية الروسية السابقة عقد مؤتمر عموم السوفيت الاول في موسكو و اعلن  في 30 /12/1922 ان اربعة جمهوريات اشتراكية مستقلة قد اتفقت فيما بينها و أسست اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية الاتحادية  على أسس المساواة والطوعية وهذه الجمهوريات هي جمهورية روسيا السوفيتية الاشتراكية الاتحادية وجمهورية اوكرانيا السوفيتية الاشتراكية وجمهورية بيلاروسيا السوفيتية الاشتراكية وجمهورية القوقاز السوفيتية الاشتراكية وضمن الجمهوريات الاتحادية الاربعة هذه كانت هناك 13 جمهورية ذات استقلال  ذاتي وستة اقاليم ذات استقلال ذاتي.
و في مؤتمر عموم السوفيت الثاني الذي انعقد بتاريخ 31/1 /1924 تمت الصياغة النهائية للافكار اللينينية للاتحاد و تم النص على حق الانتماء الحر للاتحاد و حق الانفصال الحر عنه بالنسبة للجمهوريات الاشتراكية الداخلة فيه و الجمهوريات الاشتراكية التي قد تظهر في المستقبل و في عام 1924 ايضا تشكلت جمهورية اوزبكستان السوفيتية الاشتراكية و جمهورية تركمانستان السوفيتية الاشتراكية و تبعتهما جمهورية طاجكستان السوفيتية الاشتراكية في سنة 1929 و في سنة 1936 تم اعتماد دستور جديد للاتحاد و تم اعتبار كازخستان و قرغيزستان جمهوريات سوفيتية اتحادية كما تم حل جمهورية القوقاز السوفييتة و ادخال اذربيجان و ارمينيا و جورجيا المكونة لها كجمهوريات سوفيتية اتحادية.

البناء بدافع العقيدة و/أو الخوف
اندفع السوفيت فورتأسيس الاتحاد يرممون و يبنون البلاد من خلال عملية تصنيع كبرى قدم فيها العمال الكثير من التضحيات حيث عملوا بدون حساب للوقت و بتجهيزات ناقصة من لوازم ومعدات البناء واللوازم الانسانية وكان بعضهم بدون احذيه و لم تكن الاغذية كافية و عاشوا في الخيام و المعسكرات و مواقع العمل وكان الكثير من المواد الاستهلاكية  الضرورية غير موجودة او مقننة في البلاد .
و نتيجة لهذا الجهد الجبار تم بالفعل تشييد بحدود 1500 مصنع بحلول عام 1930  و تصدرت  الصناعات الثقيلة عملية البناء .
   أما في مجال الزراعة  فقد اعلن المؤتمر الحزبي الخامس عشر المنعقد في كانون اول 1927 نمط المزارع الجماعية و تم تطبيق ذلك بالقوة و دون الاخذ بنظر الاعتبارالظروف المحلية ولم تكن النتائج موفقة كما في مجال الصناعة اذ حدثت مجاعات مريعة في اوكرانيا نتيجة الى هذه السياسة التي لم تقتصر على القضاء على الاقطاعيات الكبيرة بل شملت كذلك الحقول الفردية الصغيرة و المتوسطة و اصبحت المزارع الجماعية والحكومية تغطي 99% من الارض المزروعة .

السياسة الغربية تجاه الاتحاد السوفيتي
  سعت السياسة الغربية في العشرينات الى عزل الاتحاد السوفيتي وقامت كل من  امريكا و بريطانيا و فرنسا بتقديم القروض الى  المانيا لابعادها  عن موسكو و عمدت الدول الغربية الى عقد مؤتمر لوكارنو في سويسرا  والذي شاركت فيه بريطانيا و فرنسا و المانيا و ايطاليا و بلجيكا و تشيكو سلفاكيا و بولونيا  وتم الاعتراف في المؤتمر بحرمة حدود جيران المانيا من الغرب كما تم النظر في موضوع دخول المانيا في عصبة الامم ولم يدعى الاتحاد السوفيتي لهذا المؤتمر. 
في الوقت الذي جنحت فيه السياسة السوفيتية  العلنية في العشرينات الى نزع السلاح و عدم الاعتداء كان هناك وجه اخر لسياستها  في العلاقات مع الدول الاخرى اذ كانت تقيم مؤتمرات الشيوعية العالمية و تحث الفلاحين و العمال و الشيوعيون في الدول الاخرى من خلالها على انهاء البرجوازية و اقامة دولة العمال و الفلاحين و كانت الاضرابات و الاحتجاجات و الاضطرابات التي تحدث في البلدان الاخرى كثيرا ما توحي للشيوعيين السوفيت بقرب تحقيق التغييرالى الشيوعية في العالم

صعود الفاشية في المانيا
       في هذه الاثناء كانت الفاشية في صعود ونمو مضطرد في المانيا ففي الانتخابات البرلمانية للاعوام 1928، 1930  و 1932 كان عدد المصوتين لصالح الفاشية كما يلي : 800 الف ، 6.4 مليون و 11.7 مليون ناخب على التوالي  . ونتيجة لهذه النجاحات الانتخابية كلف الرئيس الالماني هنديبرغ  في كانون الثاني عام 1933 رئيس الحزب النازي  أدولف هتلر بتشكيل الحكومةالالمانية .
     من جانبه قلل ستالين من اهمية الخطر النازي المحدق بالاتحاد السوفيتي الذي تكلم عنه بوخارين مستشهدا بان قيام الفاشية في ايطاليا لم يمنع ايطاليا و الاتحاد السوفيتي من التمتع بافضل العلاقات و خلص الى ان الموضوع لايتعلق بالفاشية بحد ذاتها و لاينبغي ان تتغير سياسة الاتحاد السوفيتي تجاه المانيا .
 اما هتلر فكان من جانبه يدق طبول العداء للبلشفية عاليا لايهام الحلفاء الذين كانوا قد منعوا المانيا من صناعة الطائرات و الدبابات بان اعادة التسلح في المانيا موجه ضد الخطر البلشفي الداهم معلنا ان هدفه الوحيد من اعادة بناء القوة الالمانية هو اعاقة زحف روسيا نحو الغرب  ودعا الى اتحاد اوروبا بهدف ايقاف الروس عند الحدود السوفيتية البولونية في حين كان يقول للمقربين منه انه مجبر على هذه اللعبة و ذلك لتحييد ردود افعال الحلفاء ( دول فرساي ) بمساعدة شبح البلشفية و جعلهم يصدقون ان المانيا اخر معقل في طريق المد الاحمر و ان هذا هو السبيل الوحيد الذي يمكن المانيا اجتياز فترة اعادة التسلح بدون الاصطدام مع الغرب .

 و يبدو ان هتلر كان ناجحا في هذا المضمار فقد اقتصرت ردود فعل الغرب على خروقاته لشروط الحلفاء عل الاحتجاجات و التحذيرات الكلامية و تطابق سعيه لبناء قوة المانيا مع سعي بريطانيا سرا الى توجيه القوة الالمانية الجديدة نحو الاصطدام مع الاتحاد السوفيتي و بعد الاتصالات السرية بين بريطانيا و المانيا وصل الامر ببريطانيا الى تبني هذا الموقف جهارا حيث اعلن بولدوين رئيس وزراء بريطانيا عام 1936 : انه من المعروف لدينا جميعا ان المانيا ترغب في الاندفاع نحو الشرق . . . و اذا ما وصلت الامور في اوروبا الى القتال . . . اريد ان يكون ذلك بين النازيين و الشيوعيين.

في 23 اب 1939 وقع وزير خارجية الاتحاد السوفيتي مولوتوف مع وزير خارجية المانيا ريبنتروب على معاهدة  عدم اعتداء بين المانيا و الاتحاد السوفيتي  و كان لهذه الاتفاقية ملحق سري تم تقسيم مناطق النفوذ بينهما بموجبه اذ وافقت المانيا  على اعتباردول البلطيق (لاتفيا ، ليتوانيا ، استونيا ) و فلندا و الجزء الشرقي من بولونيا و جزء من رومانيا ضمن منطقة نفوذ الاتحاد السوفيتي وعلى اثر هذا الملحق دخل الجيش الاحمر دول البلطيق بحجة حمايتها من الالمان ومن ثم تم اعلانها دولا سوفيتية .
  و بعد اسبوع ايضا من توقيع اتفاقية عدم الاعتداء بين المانيا والاتحاد السوفيتي أعلاه  قامت المانيا بالهجوم على بولونيا و اضطرت فرنسا و بريطانيا  بعد ان خسرتا الحرب السرية في توجيه المانيا ضد الاتحاد السوفيتي الى اعلان الحرب على المانيا وبدأت الحرب العالمية الثانية .
الهجوم الالماني على الاتحاد السوفيتي
  كان ستالين حريصا كل الحرص على التمسك في معاهدة مناطق النفوذ بينه وبين هتلر في ضوء المكاسب التي حققها ورغم التحذيرات التي نقلتها له المخابرات السوفيتية عن الاستعدادات الالمانية للهجوم على الاتحاد السوفيتي وتحذيرات ونستون تشرتشل  له من الهجوم الالماني لم يتزعزع موقفه هذا حتى انه لم يضع القوات السوفيتية في حالة انذار في أي وقت خوفا من ان يفسر الالمان ذلك بنية من جانبه للهجوم عليهم .
   اما هتلر فكان الامر قد بدا يتغير لديه فبعد اجتياحه لباقي دول اوربا وفرنسا رفضت بريطانيا الاستسلام له وكان عليه ان يعبر بحر المانش لاخضاعها ورغم ان المخططون الالمان بدأوا بالعمل على انضاج عملية (اسد البحر )  لاقتحام الجزر البريطانية الا انهم عدلوا  عنها في ضوء مخاوفهم من بأس البحرية البريطانية انذاك وامكانياتها في تدمير أي هجوم بحري من هذا القبيل.
     اعاد هتلر ترتيب خياراته بسبب جمود الموقف عبر بحر المانش  فترك الجزر البريطانية الى القنابل الطائرة ( الـ  V Bombs) أملا في كسر معنوياتها واضعافها وتوجه  بأنظاره نحو الشرق طامعا في أملاك زميله في ادعاء الاشتراكية وشريكه في تقاسم النفوذ سرا جوزيف ستالين   وقد زين له ضعف الجيش السوفيتي هذه الاطماع بسبب قيام ستالين بتصفية قيادات هذا الجيش خلال الفترة من مايس 1937 ولغاية  ايلول1938 (شملت هذه التصفيات جميع قادة الفيالق والفرق وحتى  قادة الالوية) كما شجعه  ضعف  اداء الجيش السوفيتي في  معاركه الاخيرة  مع الفنلنديين على الاعتقاد بسهولة الانتصار وعليه قرر هتلر اضافة الامكانيات والثروات الموجودة في اراضي الاتحاد السوفيتي الى امكانياته اولا ومن ثم العودة الى  موضوع  عبور بحر المانش.
   اعدت القيادة الالمانية  خطتها المعروفة ب(بابروسا) والتي كانت تهدف الى احتلال المراكز السوفيتية الرئيسية والوصول الى خط ارخانكلس ـ فولغا ـ استراخان قبل حلول الشتاء.
      بدا الالمان  هجومهم العاصف على الاتحاد السوفيتي بدون سابق انذار في 22/6/1941 وكان تعداد القوات الالمانية المهاجمة  والحليفة 5.5 مليون عسكري تدعمهم 5000 طائرة و3500 دبابة و47000 قطعة مدفع وهاون في حين كانت القوات السوفيتية المدافعة عن  الحدود تبلغ2.7  مليون عسكري تدعمهم 1500 طائرة و1800دبابة و 37500 قطعة مدفع وهاون مما حقق للقوة المهاجمة تفوق موضعي بحدود 3 الى1.
 كان الهجوم الالماني على ثلاثة  محاور المحور الشمالي باتجاه لينينغراد والاوسط باتجاه موسكو والجنوبي باتجاه اوكرانيا ليتجه بعد ذلك نحو الجنوب الشرقي . وبحلول تشرين  الثاني1941  كان الالمان قد دخلوا كييف (عاصمة اوكرانيا) واوديسا وسيفاستبول و حاصروا لينيغراد  ووصلوا  الى مسافة 25 -30 كم عن  مدينة موسكو وكبدوا القوات السوفيتية خسائر جسيمة  بلغت 5 ملايين جندي مابين قتيل وجريح واسير ودمروا الجزء الاعظم من الطائرات والدبابات السوفيتية.
    كانت اول بوادراحتمال نجاح  الروس في رد الهجوم  الالماني الكاسح قد لاحت في الهجوم المضاد للمدافعين عن موسكو الذي قاده في  قطاع غرب موسكو الجنرالان جوكوف وكونيف وفي جنوبها الغربي المارشال تيموشنكو وقد بدا هذا الهجوم في  اعتى فترات الشتاء بردا وصعيقا (5-6 كانون اول 1941 ) واستمر حتى نيسان 1942 حيث تمكن المدافعون من  دفع الالمان الى مسافة 100-250 كم عن موسكو .
وكان من اهم معارك الحرب العالمية الثانية على الجبهة الروسية معركة تحرير ستالينغراد (فولغاغراد حاليا ) التي خطط لها المارشال جوكوف حيث تمكن الروس من تطويق 330  الف عسكري الماني بين تشرين اول 1942 و2 شباط 1943 ودمروا هذه القوات واخذوا ما تبقى منها في الاسر.
واشهر الحصارات  عنفا وضراوة وبسالة كان حصار لينيغراد (سانكت بيتربورغ حاليا ) الذي استمر 900 يوما .
ومن  اعظم الايام المشهودة  بالنسبة للروس كان يوم 8/5/1945 يوم اقتحام الجيش الاحمر لبرلين  بقيادة المارشال جوكوف و المارشال كونييف والمارشال روكوسوف.

الحرب الباردة
ونتيجة لأختلاف الأيديولوجيات والاطماع بين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية نشبت بين الحلفاء ماسميت بالحرب الباردة لتسيطر على مجريات الاحداث لنصف قرن من الزمان     على الارض سعى الجانبان لتوسيع مناطق نفوذهما وكانت كوريا اول صدام خطير بين الحلفاء السابقين اذ تدخلت القوات الامريكية تحت لواء الامم المتحدة  ضد قوات كوريا الشمالية المدعومة بالجيش الصيني على شكل متطوعين ومن جانبها قامت موسكو في توفير  الغطاء الجوي للصين من خلال  ارسال المقاتلات اليها  وهيئت  خمس فرق سوفيتية للتدخل المباشر في كوريا  الا ان المواجهة حلت سلميا بتقسيم كوريا .
   من المواجهات الخطيرة الاخرى التي حدثت كانت في المانيا حيث دمج الحلفاء الغربيون مناطق سيطرتهم في منطقة واحدة انشأت عليها المانيا الغربية وقام السوفيت بالمقابل بأنشاء دولة اخرى هي المانيا الشرقية.

الاقتصاد السوفيتي ما بعد الحرب

وجه ستالين الاقتصاد السوفيتي في السنوات التي تلت الحرب مباشرة نحو التصنيع العسكري و الصناعات الثقيلة و كان يعتقد ان ذلك  سيضمن سلامة البلاد من ناحية و يقود نحو الشيوعية من ناحية اخرى .
اما الصناعات الخفيفة فكان لها ما تبقى من هذا الجهد و رغم انها لم تستطع اشباع الحاجة المحلية فانها انتجت بعض السلع الهامة مثل سيارة بابيدا (النصر) و الموسكوفيج و اجهزة التلفزيون و الراديو .
في الجانب الاستهلاكي و بعد الغاء البطاقة التموينية ثم استبدال العملة القديمة بعملة جديدة كل روبل جديد منها يساوي 10 روبلات قديمة و تم فرض ادخار اجباري بمعدل راتب الى راتب و نصف سنويا . ورغم  تخفيض الاسعار الا ان النقص في القدرة الشرائية الذي نتج عن استبدال العملة و الادخار الاجباري فاق ذلك و كانت النتيجة ان مستوى الاجر الحقيقي عام 1952 كان بحدود 94% من مستواه عام 1928 .
     كان وضع الارياف اقل حظا من اوضاع المدن فبعد الحرب استؤنفت عمليات نزع الملكية الفردية في الاراضي المضافة بعد الحرب الى السلطة السوفيتية مثل جمهوريات البلطيق و مالدوفا و غرب اوكرانيا و بيلا روسيا وكما في سابقتها من الاراضي السوفيتية فقد تم سحق أية مقاومة لهذه العملية و نفي بحدود 900 الف مزارع الى سيبيريا .
   عمت المزارع الجماعية ( التعاونيات و المزارع الحكومية ) ارجاء البلاد  و كانت الحكومة تأخذ الحليب بخمس كلفته من  هذه المزارع و الحبوب بعشر كلفتها و اللحم بـ 1/20 من كلفته و كانت المزارع لاتدفع لاعضائها و العاملين فيها و يعتمد هولاء في معيشتهم على قطع الارض الصغيرة الملحقة ببيوتهم و قد انتهجت الحكومة  ماأسمته بالاحتياطي السري ففرضت على كل شجرة (اثمرت ام لم تثمر ) ضريبة وحددت على كل قطعة او حديقة يستخدمها المزارع لمعيشته دية من اللحم و الحليب والبيض و الصوف الواجب تسليمه للحكومة .
وتم تحديد ساعات العمل للمزارع الجماعية بالمستوى الذي كانت عليه في الثلاثينيات ووضعت عقوبة النفي لمن لا يلتزم بهذ التعليمات .    ذكر نيكيتا خروشوف (الامين العام للحزب الشيوعي المعروف الذي تلا ستالين في الحكم ) انه ذهب ذات يوم الى مسقط رأسه و هناك زار اختا له فوجد عندها حديقة تفاح جميلة فقال لها : لديك اشجار تفاح جميلة.
 قالت: سأقوم بتحطيبها (قطعها ) هذا الربيع
 لماذا ؟ استفسر خروتشوف مستغربا.
ان الضرائب التي ادفعها تجعلها غير مربحة  اجابت شقيقته.
و عندما عاد خروتشوف الى موسكو ذكر لستالين كيف ان الاشجار تقطع في الارياف بسبب الضرائب المفروضة عليها  .... قال له ستالين انك نارودنيك وتعني شعبوي ويقصد بهذا كونه متأثرا بحركة اجتماعية سياسية كانت سائدة بين المثقفين الروس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مضيفا الى ذلك لقد فقدت حسك الطبقي البروليتاري .

عهد نيكيتا خروتشوف
  في 5 اذار 1953 توفى ستالين و اصبح نيكيتا خروتشوف السكرتير الاول للجنة المركزية للحزب في ايلول 1953 ورئيسا لمجلس وزراء الاتحاد السوفيتي في اذار 1958.وكان اول ما قام به حل وزارة الداخلية بتهمة التزييف ووضع المؤسسات الامنية تحت الرقابة الحزبية في موسكو و في الجمهوريات و الاقاليم . و في الاعوام 1956 و1957 اعاد الاعتبار لبعض الاقوام من الذين غضب عليهم ستالين ورحلهم عن ديارهم و اعطاهم  حق اقامة جمهورياتهم  ضمن  الاتحاد السوفيتي عدا الاقلية الالمانية في  الفولغا و تتار القرم حيث تم لهم ذلك في  1964 و 1967 وتجدر الاشارة ان الدولة لم تستطع حتى بعد انحلال الاتحاد السوفيتي حل  مشاكل عودة الكثير من الناس الى مواطنهم بسبب المشاكل مع الاقوام التي قطنوها من بعدهم ومشاكل الحدود بين تلك الكيانات  والذكريات المرة التي حملها المرحلون من الشيشان و الانغوش  وتتار القرم .
وبقرار من مجلس السوفيت الاعلى تم اطلاق سراح ورد اعتبار ( بعد الوفاة ) 16000 مواطن سوفيتي من المضطهدين في عهد ستالين وبعد مؤتمر الحزب في شباط 1956 اطلق سراح الملايين من السجون مما سبب احراجا كبيرا  للسلطة السوفيتية في تفسير سبب حجز هذا  العدد من البشر في المقام الاول .
  في زمن خروشوف دبت الحياة ثانية في الحركة الادبية  وصدرت الكثير من الصحف و المجلات  القديمة والحديثة  وكذلك نشطت الحركة الفنية والموسيقية وزاد انفاق الدولة على العلوم ونشطت البحوث العلمية ونال عدد من العلماء السوفيت جوائز نوبل في الاختصاصات المختلفة .
 حقق الاتحاد السوفيتي في عهد خروشوف انجازات كبيرة في مجال الصناعة والفلك والكهرباء بفضل تركيز الموارد المادية والبشرية مركزيا في قطاعات معينة من النشاطات في عهد ستالين وعهد خروشوف فقد شهد عام 1954 تدشين اول محطة كهربائية ذرية قرب موسكو تبعتها محطات اكبر في سيبريا وفارونش وبيلاروسيا  كما شهد عام 1959 تدشين اول سفينة ذرية كاسرة للثلوج لفتح الطريق امام  قوافل التموين في القطب الشمالي , ودار حول الارض اول قمر صناعي سوفيتي عام 1957 تبعته اول رحلة فضائية مأهولة حول الارض بقيادة يوري غاغارين عام 1961 , تم ايضا خلال نفس الفترة بناء المحطات الهايدروكهربائية (الكهرومائية ) في كوبيشيف وستالينغراد وكاخوف وتم توسيع استخدام النفط والغاز ونقلهما الى البلدان المجاورة  كما تم استبدال القاطرات  البخارية بقاطرات  الديزل والقاطرات الكهربائية . وفي الوقت الذي استمر فيه التقدم في مضمار الصناعات الثقيلة  استمر الانخفاض النسبي في انتاج البضائع الاستهلاكية رغم  زياداته الكمية  وكان خروشوف حسب ماصرح به عام 1955 يعتقد بان التوجه  نحو الصناعات الاستهلاكية وعدم التركيز على الصناعات الثقيلة يعتبر غريبا على روح الماركسية  ويشكل مؤامرة على الحزب . 
  
 كان القطاع الزراعي يحظى باهتمام خاص لدى نيكتا خروشوف  فقد استصدر من خلال اجتماع اللجنة المركزية  للحزب الشيوعي في ايلول عام 1953 قرارات بزيادة الاستثمارات  في القطاع الزراعي الى اكثر من ضعف  ومضاعفة اسعار شراء منتوجات المزارع التعاونية  والحكومية  بعدة اضعاف  والغاء الضرائب غير  المعقولة  على الحدائق وقطع الاراضي الصغيرة الخاصة بالعمال الزراعين واعضاء الجمعيات التعاونية  وكذلك ابطال تجهيز الحكومة  بكمية اجبارية من المنتجات الحيوانية  عن هذه الحدائق والقطع الزراعية.
 شرع خروتشوف ايضا باجراء اصلاحات في مجال  تنظيم الفعاليات الزراعية والاستزراع  الا انها جاءت بنتائج غير مرضية فمثلا تم الغاء محطات الاليات  الزراعية التي كانت المزارع الحكومية والتعاونية تستأجر الاليات التي تحتاجها منها و الزام المزارع الحكومية والتعاونية بشراء تلك الاليات ورغم كون هذه الاليات مستهلكة الى درجة كبيرة فقد تم بيعها باسعار عالية و فترة تسديد قصيرة (سنة و نصف ) مما ادى الى افلاس الكثير من المزارع و غرقها في الديون لتمشية اعمالها 
زراعة الذرة لحل النقص في انتاج اللحم
 من الاخفاقات الكبيرة في تطبيق ارشادات خروتشوف في مجال الزراعة كان ما يعرف بملحمة الذرة اذ بعد زيارة خروتشوف لامريكا عام 1959 و مشاهدته لحقول الذرة هناك جاء ليعرض حلا لمسألة زيادة انتاج اللحم في الاتحاد السوفيتي من خلال تحويل الاراضي المنتجة للاعشاب التي تغذي الحيوانات الى اراضي مزروعة بالذرة على اساس انه اضافة الى اعطاء الذرة لناتج من الحبوب يمكن استغلال الجزء الاخضر منها في نفس الوقت كعلف لزيادة انتاج اللحم واستنادا الى توجيهات خروتشوف تم زرع مساحات شاسعة بالذرة امتدت الى الاجزاء الشمالية من روسيا حتى ارخانكلسك و بطبيعة الحال اخفقت المناطق الشمالية جميعها في انتاج المحصول الجديد واقتصر النجاح على الاجزاء الجنوبية حيث تلائم الحرارة فيها انتاج الذرة و اصبح موضوع خروتشوف و الذرة مصدرا للكثير من النكات والنوادر التي يتداولها الناس .

المعلم والزراعة المغطاة
    اثر الانتقادات الحادة التي وجهها خروتشوف الى العهد الستاليني , شعر الحزب الشيوعي بحدوث تيارات داخلية قوية في المجتمع تناقش اوضاع البلاد و احتمالات و افاق تطورها المستقبلي باتجاهات لا تخدم تقوية سيطرة الحزب على الامور و عليه روج الحزب في اجتماعه الواحد و العشرون عام 1959 نظرية انتصار الاشتراكية الكامل و النهائي و الدخول في مرحلة بناء الشيوعية و تحت ضغط هذه المنطلقات التي تؤكد افضلية الملكية الحكومية على الملكية الخاصة اعيدت الكرة على اصحاب قطع الاراضي الصغيرة والحدائق من عمال في المزارع الحكومية و اعضاء في الجمعيات التعاونية و غيرهم من الموظفين و المتقاعدين و الجنود السابقين و حبذ لهم التخلص من الابقار و الحيوانات الاخرى التي يربونها في فناء دورهم و اراضيهم الصغيرة و بيعها الى المزارع الحكومية و التعاونية ثم جاء  بعد ذلك امرا من بريجنيف الذي كان سكرتيرا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي يقضي بقيام المزارع الحكومية بشراء هذه الحيوانات من العمال و ان تقوم التعاونيات بسلوك نفس النهج بالنسبة لاعضائها .
وبدأت محاربة قيام العمال و المزارعين و غيرهم  ومنعهم من المتاجرة بنتاج قطعهم و من قضايا المحاكم المشهورة التي دار الجدل حول حيثيات الحكم فيها و اجتهدت الصحافة في التنظير لها قضية المعلم المتقاعد في منطقة استراخان عام 1962 .
نجح المعلم المتقاعد بالحصول على قطعتي ارض صغيرتين من الدولة و قام بانشاء بيوت مغطاة للنباتات عليهما مما مكنه من انتاج الخضروات قبل موسمها و شرع ببيع انتاجه الجديد قبل الموسم و بسبب ذلك احيل الى المحكمة بتهمة مزاولة " النشاط الخاص " و حكم عليه بمصادرة امواله و الزامه بمزاولة النشاطات المفيدة للمجتمع .
 من الناس من اعرب عن دعمه لقرار المحكمة و منهم من تساءل لماذا يحكم عليه هكذا لمجرد بيعه ماله الذي لم يسرقه او يغتصبه من احد ؟ و ذكر احد كتاب المقالات القانونية انذاك  : "انه من الصواب القول بانه لم يسرق و لم يغتصب و لكنه اصبح منذ وقت  عبدا للملكية الشخصية واصبحت هذه له المثل الاعلى . ان عدم الحكم عليه قد يؤدي في اوضاع معينة الى سلوكه طرقا اكثر خطورة . . . . ".
أدى التخبط في هذه السياسات بالنتيجة الى هبوط الانتاج الزراعي مما اضطر خروتشوف الى استيراد الحبوب من امريكا كاجراء مؤقت و لكنه استمر لعقود من الزمن  .
الاوضاع المعيشية والغذائية للسكان
من ناحية اخرى جرت محاولات جادة في عهد خروتشوف لتحسين الاوضاع المعاشية و الغذائية للسكان حيث تقرر زيادة الدخل السنوي للعاملين بحدود 6% سنويا كذلك صدر قانون جديد للتقاعد اخذ بنظر الاعتبار زيادة الرواتب التقاعدية المستحقة للعمال و الجنود الى الضعف و قانون اخر اعطى لاعضاء التعاونيات الزراعية رواتب تقاعدية و تم الغاء جميع انواع الاجور بالنسبة للتعليم و نتيجة لهذه الاجراءات زاد استهلاك الفواكه ثلاث مرات وزاد استهلاك منتجات الحليب بنسبة 40% و اللحم بنسبة 50% و زاد استهلاك الاسماك الى الضعفين وخلال السنوات 1956- 1960 جرت هناك حملة ضخمة لبناء المساكن ثم من خلالها اسكان 54 مليون نسمة او ربع السكان في شقق جديدة حيث استلمت العوائل بدلا من غرفة كما في السابق شقة صغيرة مستقلة . و لا زال المشاهد يرى في المدن الروسية عمارات بخمسة طوابق مبنية بالطابوق الاحمر تعود فترة بنائها الى تلك الفترة الا ان تركيز الحملة على الكمية بدلا من النوعية ادى الى تدنى مستوى العمارة بطبيعة الحال و صار الناس يطلقون على هذه  المباني مجازا خروتشوبي نسبة الى خروتشوف وهي كلمة محرفة عن كلمة تروتشوبي التي تعني الاحياء البائسة رغم كون ذلك غير منصف في الواقع .

ترسيخ الانقسام الدولي  
تميزت فترة خروتشوف بترسيخ دعائم انقسام العالم الى  معسكرين المعسكر الاشتراكي و المعسكر الراسمالي وفي عام 1955 تم التوقيع على معاهدة حلف وارشو من قبل جميع الدول الاشتراكية عدا يوغوسلافيا و تم تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الاشتراكية في كافة النشاطات الاقتصادية 
و رغم ان الحزب الشيوعي في مؤتمره العشرون في شباط 1956 قد حدد اتجاهين رئيسين للسياسة الدولية و هما  التعايش السلمي بين الانظمة المختلفة و الاعتراف بتعددية الطرق لتحقيق الاشتراكية بما في ذلك تحقيقها عبر الانتخابات البرلمانية لكنه في نفس الوقت دعم مبدأ "وحدة البروليتاريا العالمية " و تقديم المساعدات المجانية الى الحركات الشيوعية في الدول الاخرى و حركات التحرر العالمية و مع ترسخ المعسكرين و سعيهما المتبادل لبسط نفوذهما داخل و خارج كتلهما لم تجدي السياسات المعلنه عن التعايش السلمي نفعا في تفادي مواجهات عنيفة بين الكتلتين ففي تشرين الثاني 1965 دخلت القوات السوفيتية بودابست لتعيد الشيوعيين السلطة بعد ان كانت الامور قد تطورت هناك الى اعلان خروج هنغاريا من حلف وارشو.
 في خريف نفس العام جاء هجوم بريطانيا و فرنسا و اسرائيل على مصر في حرب السويس و كان لوقوف الاتحاد السوفيتي بقوة الى جانب مصر  و النتيجة التي انتهت اليها الحرب بانسحاب الدول الغازية اثرا كبيرا في رفع مقام الاتحاد السوفيتي لدى الشعوب العربية و الاسلامية و دول العالم الثالث مما سهل له اقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية و عسكرية مع دول الشرق الاوسط ودول العالم الثالث .
كان الموقف حول برلين المقسمة الى اربعة مناطق احتلال ( امريكا , بريطانيا , فرنسا والاتحاد السوفيتي) متفجرا طوال الوقت بين الاتحاد السوفيتي و حليفته المانيا الشرقية من جانب و الدول الغربية الثلاث و حليفتهم المانيا الغربية من الجانب الاخر و في عام 1958 رفض الحلفاء دعوة خروتشوف الى جعل برلين مدينة حرة مما حدى به ان ينشئ في اب 1961 حائط برلين الشهير ليفصل بين الجانبين .

يوم الصواريخ الكوبية
    
 ولعل اخطر وقت كان فيه المعسكران  أقرب الى حدوث مواجهة نووية مدمرة  بينهما كان في خريف عام 1962 فبعد ان نجحت الثورة الكوبية عام 1959 و حالفت المعسكر الاشتراكي أقام الاتحاد السوفيتي في صيف عام 1962 قواعد للصواريخ النووية السوفيتية على جزيرة كوبا وعندما اكتشف الامريكان الامر امر الرئيس جون كنيدي الاساطيل الامريكية بمحاصرة كوبا بالكامل في تشرين اول 1962 و هدد بتدمير قواعد الصواريخ ان لم تسحب فورا من الجزيرة وتم وضع قوات حلف الاطلسي وقوات حلف وارشو بوضع الاستعداد الكامل للقتال و حبس العالم انفاسه لعدة ايام بانتظار النتيجة و بعد اتصالات و مفاوضات مكثفة بين خروتشوف و جون كنيدي امر خروتشوف بسحب الصواريخ مقابل تفاهم مع امريكا لترك كاسترو و الجزيرة الكوبية لشانهما .
انتهاء عهد خروتشوف : -
رغم النتائج الكبيرة التي حصلت في عهد خروتشوف في المجال الصناعي فان اصلاحاته في المجال الزراعي بصورة  خاصة لم تأتي بالنتائج المرجوة و بدأ تأييده يضعف لدى القيادات الحزبية والعسكرية خصوصا و ان قراراته كما يجمع المؤرخون كانت في الغالب ارتجالية فعلى سبيل المثال قام خروتشوف عام 1954 بالحاق جزيرة القرم التي يشكل الروس 80% من سكانها و التي قاتل الروس من اجلها الانكليز و الفرنسين و الالمان و الاتراك باوكرانيا و كاد هذا الاجراء ان يشعل الحرب بين اوكرانيا و روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي اذ ارتفعت الاصوات في روسيا بضرورة اعادة القرم الى روسيا بالاضافة الى مطالبة اهل القرم ذاتها بالعودة. ( لاحقا تم في 19 /5 / 2014 ضم جمهورية القرم الى الاتحاد الروسي مجددا وقد عكر عودتها الى روسيا العلاقات مع أوكرانيا  والدول الغربية والتي لا زالت تطالب بإعادتها الى أوكرانيا ) .
و قام  خروتشوف أيضا بتخفيض القوات السوفيتية من 5.8 مليون جندي  عام 1955 الى 2.5 مليون 1960 و تحملت البحرية جل هذه التخفيضات اذ رأى خروتشوف ( ان السفن الحربية تصلح بلا شك للاستخدام في الزيارات الرسمية  اما من وجهة النظر العسكرية فهي اهداف جيدة للصواريخ ) وبدون استجابة مماثلة من المعسكر الغربي.
وفي عام 1960  طرح خروتشوف على الامم المتحدة مشروعا لنزع السلاح الكامل و تصفية الجيوش و الاساطيل و الاحتفاظ بقوات للشرطة فقط .وعندما لم تعجبه الامور في الامم المتحدة و لجلب انتباه الحضور خلع حذائة و صار يطرق به على المنضدة و شكل هذا في حينه حدث اليوم بالنسبة للصحف و الاذاعات.
كان لخروتشوف شكلا مميزا  ( قصير و اصلع و مدور ) و تصرفات بعيدة عن البروتكول مليئة بالحيوية اثارت اهتمام وحب الشعب الامريكي عند زيارته للولايات المتحدة عام 1959 كما حاز خروتشوف على اعجاب الكثير من العرب لتصريحاته ابان حرب السويس وزياراته اللاحقة لمصر و تصريحاته هناك التي وصلت الى حد اسناد الاتجاه الوحدوي و القومي للشعوب العربية و قد يذكر البعض صوره مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر اثناء تجواله في مصر و استلامه هدية الرئيس عبد الناصر المتمثلة باحد الخيول العربية الاصيلة   ساعد خروتشوف  على دعم سلطة الحزب و الدولة على الاقاليم ولكن تصرفاته الارتجالية لم تعطي الطمأنينة اللازمة للقيادات الحزبية لتأمين مستقبلها وفي تشرين اول عام 1964 و بينما كان خروتشوف يتمتع باجازته استدعي الى موسكو ليبلغ بقرار القيادة  السوفيتية بعزله و احالته على التقاعد بتهمة بحجة الرجوع عن المبادئ اللينينية في القيادة الجماعية وتم تعيين ليونيد بريجنيف سكرتيرا اولا للحزب الشيوعي وكوسيجن رئيسا للوزراء و انستاس ميكويان رئيسا لمجلس السوفيت الاعلى والذي تم استبداله لاحقا عام 1965 ببودغورني .

عهد بريجينيف :

يمكن ان تعزى حالة زيادة وتائر الانتاج المتميزة الاولى الى استغلال القيادة السوفيتية لميزات الاتحاد السوفيتي الاساسية المتمثلة بسعة الارض والثروات الطبيعية فمثلا خلال السبعينيات زاد انتاج النفط في غرب سيبيريا وحدها بعشرة اضعاف وزاد انتاج الغاز بـ 16 مرة و تزامنت هذه الزيادات الكبيرة في الانتاج مع الارتفاع الحاد في اسعار النفط و الوقود الذي اعقب الحرب العربية الاسرائيلية عام 1973 مما در على البلاد مقادير هائلة من العملة الصعبة و خلق الانطباع  بامكانية الاستعاضة عن التقدم التكنولوجي اللازم لتحسين الكفاءة الانتاجية كما و نوعا بشراء المنتجات المتقدمة من الغرب بالدولارات النفطية ففي حين اتجه  الغرب نحو رفع المحتوى التقني في سلعه وخدماته ووظف التقنيات المكتسبة من البحوث المختلفة في خدمة الانتاج كان الاتحاد السوفيتي يسابق الغرب من خلال زيادة استغلال موارده الطبيعية و ثرواته البشرية مما وسع في هوة التقدم بين الجانبين  .
 ومع نفاذ المصادر الطبيعية  للثروة و زيادة تكاليف الاضافات الجديدة منها ، تباطأت وتائر النمو  ، على سبيل المثال بعد استغلال المناجم والحقول النفطية القريبة  بدأ استغلال مناجم وحقول ابعد وفي ظروف طبيعية اصعب بكلفة اكبر  ومع  استيعاب الموارد البشرية المتوفرة في الانتاج اصبح نفاذ الموارد البشرية كابحا ومحددا على التوسع في الانتاج  ونتيجة لما تقدم وصلت البلاد الى حالة من الركود وتوقف النمو .
 الا ان مظاهر الركود الاقتصادي افقدت القطار السوفيتي زخمه وتعجيله قبل ان يلحق بغريمه الامريكي اذ تلاشت وتائر النمو الاقتصادي وبدأت المدخولات الحقيقية للمواطنين بالنزول الفعلي و نشأت في المجتمع السوفيتي ممارسات كثيرة خاطئة من بينها زيادة الادمان على المسكرات والتهرب من العمل سواء بتركه لساعات طويلة  او اختراع  الاسباب  لعدم  المواصلة في العمل  فبالالضافة الى فترة الغداء  المقرة رسميا  والمقدسة لدى العمال  اخترعت فترات استراحة اخرى مثل استراحة التدخين  (بريكور بريريف ) والتسوق وغيرها ومما عززالشعور العام بالاحباط  كبر وقلة فعالية بريجنيف في اواخر ايامه و وفاة المنظر الرئيسي للاشتراكية المتطورة سوسلوف في كانون ثاني 1982 ليتبعه بريجنيف نفسه في تشرين الثاني من نفس العام .
     من جانبها  عمدت قيادة الحزب الشيوعي الى زيادة امتيازاتها  ووسائل رفاهها  وتامين متطلباتها  . ولعل الطرائف و النكات السياسية  من الامور التي  تعطي بعض الدلالة  عن الاوضاع انذاك ويتفق الروس على ان اواخرايام عهد بريجنيف كانت زاخرة  بالنتاجات  في هذا المجال  نورد بعضها لكسر الجمود في هذا الموضوع على الاقل .
     ·  قامت والدة بريجنيف بزيارة  لولدها ليونيد في موسكو وبعد اطلاعها على احواله المعاشية  والمادية  قالت له عند توديعه لها قبيل  مغادرتها  الى قريتها  اوصيك يا بني ان لاتتفوه لاحد بكلمة  عما تملك فقد يسمع الشيوعيون بذلك ويقومون بتأميمك. 
  ·  بسبب النسيان وعدم التركيز يحيط  المساعدون ببريجنيف في المناسبات ويدسون  في جيبه   القصاصات  عما يتوجب ان يقوله في تلك المناسبات. خرج بريجينيف ذات يوم لاستقبال الرئيس البلغاري ، اخرج قصاصة من جيبه وحملق في وجه الرجل مخاطبا : عزيزتي انديرا غاندي ..........
  ·  وقف بريجينيف امام  الجماهير واللاعبين وعدسات التلفزيون ليفتتح الدورة الاولومبية في الملعب الضخم الذي بناه السوفيت لهذا الغرض في شارع الاولومبياد في موسكو  فتح الملف الذي تم اعداده له لهذا الغرض وبدأ خطابه : أو .أو .أو .أو.    ( كان يقرأ دوائرالشعار الاولومبي المرسوم على رأس الصفحة ).
  ·  سأل بريجينيف رئيس وزرائه كوسيجن عن رأيه في اعلان حرية السفر الى الخارج للمواطنين السوفيت. فكرة جيدة ياسيادة الرئيس اجاب كوسيجن لكنني اخشى ان نبقى  ان وانت وحدنا في هذه البلاد !!!
على اية حال توفى ليونيد بريجنيف في تشرين الثاني عام 1982  وخلفه في منصب الامين العام للحزب  يوري اندروبوف  الذي توفى هو الاخر في شباط 1984  ليخلفه تشرينينكو  ويموت بعد فترة قصيرة  في اذار 1985 .
 بدا يوري اندروبوف عهده بحملة على مااسماه بالفساد في الطبقات العليا من المجتمع وحمله اخرى ضد التسيب وعدم الانضباط  والالتزام بالدوام الرسمي  وانزل مفارز تستوقف المارة اثناء ساعات العمل لتسألهم عن سبب عدم وجودهم في اعمالهم  وبطبيعة الحال لم يكن لهذا الاجراءات سوى اثرمحدود ولفترة محدودة .

عهد غورباتشوف
 لقد تزامنت هذه الفترة بالضبط مع فترة انتقال ميخائيل سيرغيفيتش غورباتشوف من عمله كسكرتير اول للحزب الشيوعي في منطقة سفاستابول الى عمله الجديد في موسكو كسكرتير للجنة المركزية للحزب الشيوعي و بالتحديد في عام 1978 ويبدوا ان غورباتشوف وخلال هذه الفترة  تولدت لديه قناعة غير معلنه بوجود ازمة ولدعم أفكاره عمل على  إيجاد اعوان له من الشيوعيون الاصغر سنا من شيوخ الحزب  امثال ريجكوف و شفرنازة وياكوفلف ليفوز بمنصب الامين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي.
بدأ عهد غورباتشوف في اذار 1985 بتوليه منصبب الامين العام للحزب الشيوعي السوفيتي وفي ضوء الاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية السائدة في الاتحاد السوفيتي وسنة  الامناء العامون السابقون للحزب لم يكن من غير الطبيعي او  المستغرب ان يبدأ غورباتشوف  عهده بالمناداة بضرورة الاصلاح شأنه شأن خروتشوف و بريجينيف و اندروبوف وكما فعل سلفه خروتشوف كان سند هذه المناداة دائما العودة الى اللينينية بايراد المقاطع المناسبة من اقوال لينين و افعاله وكما فعل اندروبوف عندما بدأ عهده بمحاربة التسيب وتاركي العمل و التسكع بدأ غورباتشوف عهده بمحاربة تعاطي المسكرات و الادمان عليها  .

 تكملة عهد غورباتشوف الذي عاصرناه بالكامل تقريبا موجودة في كتابنا ذكريات وأحداث سوفيتية المنشور في مدونتنا هذه .

Sunday, May 28, 2017

قرية البكرلي في أربعينات وخمسينات القرن الماضي





المحتويات 

المقدمة 
موقع القرية وتركيبتها 
اسم القرية
بساتين القرية
العربيد الأسود
عمود البيت
العفريت
قطاف التمور
الحيافة و الحكواتي ونباح الكلاب 
هلال العيد 
الحفلة الكبرى

المقدمة 

عندما يولد المرء في قرية وينمو إدراكه وعقله في اجوائها  وبيئتها  ويشاء قدره أن يغترب لأكثر من عقد من الزمان تعرض له ذاكرته في خلواته في مهجره صورا دقيقة لطرقات ودروب واشجار وبيوت القرية  ورجالها ونسائها واطفالها وأفرادها الساعين في تلك الدروب والبساتين  طلبا للرزق  أو الدرس أواللعب.
 وعندما يعود المرء  للمنطقة يجد ان معالم الطرقات  و البساتين قد اختفت وإختفى الشيوخ الطيبين وأصبح من الصعب معرفة الأطفال بعد ما كبروا وصلب عودهم وإذا بالصور رفيقة الخلوات وأوقات الحنين لم يعد لها وجود سوى  في الذاكرة إذ أكلت حركة الحياة المعالم وإستجد على الأرض بشر وشجر وجماد وإبتلع جوفها بشر وشجر وجماد في لا عودة أبدية الى الماضي  ...  
ولأجل استعادة  الماضي من الثقب الأسود للزمان  لغرض الذكرى أو السلوى أو إطلاع الأحفاد لاتنفع البومات الصور وحتى الأفلام لأنها تحبس الإحساس والخيال في جماد الصورة والفلم وتبقى الكتابة وحدها من تستطيع أن تستعيد الأزمان متكاملة بالمشاعر والأحاسيس والشكل والحركة .

موقع القرية وتركيبتها 

أنشأت قرية البكرلي في أوائل سنوات القرن الماضي من قبل مجموعة من المزارعين عند مدخل الحلة الشمالي يمين الطريق الرئيسي الذاهب الى بغداد مرورا ببابل القديمة .
   شيد المزارعون بيوتهم  آنذاك من الطين واللبن بكسر اللام (الطابوق غير المفخور) وأقاموها ضمن محيط  دائرة كاملة باستثناء دربونة صغيرة واحدة بحيث تكون واجهة الدار على محيط الدائرة وظهرها وجوانبها مشتركة مع جيرانها ويبدو أن هذا التصميم كان بالغريزة أو بالقصد دفاعيا ويهدف لتوفير أكبر قدر من الأمن لأهالي القرية وحيواناتهم إذ يعرض أقل قدر ممكن من جدران الدور الى الأحراش المحيطة بالقرية و يسهل الحراسة على صاحب الدار. 
تقع قرية البكرلي  بين ثلاثة سواقي يمثلن شرايين حياتها و يطلق  أهل القرية على هذه السواقي أنهارا رقم أن عرض قاعها بحدود 50 إلى 75 سم  فهناك ساقية البازول عند ظهرالقرية وتأخذ مائها من شط الحلة مباشرة عند مستشفى مرجان حاليا وساقية النعمانية على الجناح الغربي للقرية وتأخذ مائها من ساقية البازول وساقية كراي روحه على الجناح الشرقي للقرية وتأخذ مائها من ساقية البازول أيضا .
ينفتح طريق المحيط الترابي الدائري للقرية على طريق ترابي محاذي لساقية النعمانية بين بستاني علاوي على اليمين وعبد السبتي على اليسارحتى تقاطعه مع طريق ترابي آخر  يسمى جادة العمار  على اسم قرية العمار التي ينتهي عندها الطريق والذي يبدأ من محلة الوردية في الصوب الصغير أي الجانب الصغير من الحلة  ومنها عبر جسر الحلة القديم ان أريد العبور الى الصوب الكبير .
عند تقاطع ساقية النعمانية والطريق مع  الجادة (طريق العمار) تصب الساقية في حوض كونكريتي صغير  على شكل حرف يو انكليزي كنا نسميه (القالب) ومنه يمتد انبوب حديدي تحت الطريق ليفضي الى حوض بنفس الشكل وتستأنف الساقية  مسيرها بين بستاني كاظم العاشور على اليمين وكاظم العبود على اليسار .
إذ أتيت الى القرية عبر الطريق الذي يوصلها بجادة العمار الموصوف أعلاه يواجهك على حد وعي في الأربعينات بيت صاحب الناهض وبيت عبد السبتي واذا سرت في الدرب الدائري المحيط بالقرية من غربها يأتيك بيت كاظم العبود (كاظم عبد حسب الجنسية)  ثم بيت علاوي ( ويضم ثلاثة أو أربعة أخوة في حينه ) وبيت شمران (ويضم اربعة أخوة في حينه ) وبيت حميمة (أم مبدر ) وبيت أمانة ومع الاستدارة بيت بريج (وهم ثلاثة أخوة ) وعلى الدربونة بيت عودة وبيت عباس  ومن ثم تستمر الدائرة ببيت خليف وكاظم العاشور وتغلق عند بيت عبد السبتي وبيت صاحب الناهض .

إسم القرية

أخذت القرية اسمها من لقب مالك المنطقة  محمد أغا البكرلي وكان الرجل ضابطا في الجيش العثماني يعود أصله كما يدل اللقب الى ديار بكر في تركيا  وحسب رواية والدي  كانت هذه المنطقة قفراء في اواخر أيام الدولة العثمانية وبلزمة عباس سليمة كبير أحد أفخاذ عشيرة البوحمير ( البوسليمة ) وكان عباس سليمة هذا صاحب سيف ورمح يجول في انحائها ويؤمن حمايتها .
كانت الدولة العثمانية في تلك الايام تكلف حاميتها العسكرية  بالحلة بجباية الضريبة على المزروعات والحيوانات  وتسمى بالكودة آنذاك  وكان أفراد الحامية يعانون من سوء التغذية والامدادات وعليه كان الخروج لجباية الكودة فرصة هامة لهم لتحسين تغذيتهم فكانت الحامية تخرج بكاملها تقريبا  وتنزل بضيافة كبير المنطقة ريثما يتم جمع الكودة  وهكذا جاء دور عباس سليمة حيث نزلت الحامية التركية  بضيافته ولم تذكر الرواية ما إذا كان ساكنا آنذاك في بيت شعر (خيمة ) أوغيره . مرت الأيام بطيئة على عباس وهو يطعم ويسقي أفراد الحامية حتى نضبت مؤنته والقوم باقين لايبدون رغبة في الحركة . في ليلة شديدة الظلام إنتظر عباس حتى نام الضيوف الثقلاء فجمع حاجياته وعياله بهدوء بالغ وأخذ ما جمع من الكودة وهرب  تاركا الضيوف يغطون في نومهم .
عادت الحامية الى الثكنة بدون الكودة إذ لم تكن لها الامكانية في التوغل بعيدا عن المدينة  آنذاك لمطاردة عباس واستحصالها منه ولحل المشكلة تقدم أحد الضباط (محمد أغا البكرلي )  حسب الرواية ليدفع الضريبة ويسجل المنطقة  باسمه .

بساتين القرية

كانت بساتين القرية قد أكملت نصابها من النخيل وأشجار الفواكه وأشجار الظل في الأربعينات وكانت نخيلها مثمرة وفي بواكير شبابها  .
كان بستاننا على جادة العمار  عند تقاطع طريق القرية وساقية النعمانية مع الجادة متميزا بأنواع النخيل المختلفة ورغم أن نوع  الزهدي كان هو الاكثر في البستان  كانت هناك نخلات خستاوي وأشرسي وبربنة وحمراوية ودكلة وكانت الأخيرة تنضج قبل غيرها في المنطقة .
وحيث أن انتاج أبي الأول من البنين كان ثلاث بنات فقد سمى ثلاثة نخلات متجاورات في وسط البستان  بأسمائهن (نوفة وسليمة وقسمة ) وذات يوم كانت الأخوات الصغيرات الثلاثة عند نخلاتهن وارتأت أوسطهن (سليمة ) أن تطعم أخواتها من تمر نخلتها  فصعدت النخلة وما أن أمسكت يداها بسعفات النخلة حتى تفاجأت بوجودة أفعى تنتظر هي الاخرى رزقها من العصافير الزائرة للثمر متكورة تحت عثق النخلة فسقطت سليمة  من شدة الهلع متدحرجة على التراب ولحسن الحظ لم تصب بأذى لأن مسافة السقوط كانت بحدود المترين ونصف  .
كانت هناك شجرة توت ضخمة في بداية البستان قرب الجادة وكان أبي قد شد على جذعها زير ماء لسقاية السابلة على طريق العمار وكان بعضهم يستريح في ظلها السميك في قيض الصيف 
شق أبي ساقية موازية لساقية النعمانية تبدأ مع بداية البستان وتنتهي عند نهايتها تقريبا  وزرع عليها أشجار مشمش تخللتها شجرة تفاح وامتزجت معها أشجار التين والأعناب وفي بداية الثلث الأخير من البستان اخترنا موقعا لقيلوتنا في ظل شجرة مشمش كبيرة تمتد تحتها مباشرة أغصان شجرة تين لتكون سقفا للمكان مع شجرة العنب التي تسلقت عليها, كنا نربط الأبقار  عند النخلة القريبة من المكان ونخلد للراحة بعد ان نأكل ما تأتي به نوفة  من طعام ولبن من بيتنا في القرية .
بعد انتهاء القيلولة وانخفاض درجة الحرارة قليلا وتنامي الأفياء ينتشر صغار ابناء القرية في بساتينهم وتطلق الأبقارمن مرابطها  لتكمل رعيها وينشغل الصغار بحش  البرسيم لتوفير وجبة العشاء للماشية وجمع الحطب لأغراض إستخدامه للوقود في البيت وقبل غروب الشمس يجمع الصغار مواشيهم وبضمنها حمارهم الذي يحمل العشاء للقطيع والوقود للبيت ويعودون سالكين طريقا من خلال البساتين موازية لساقية النعمانية وساقية كراي روحة . إن التأخر في العودة يعرض البشر والحيوانات الى هجوم اسراب بعوض الحقول الشرس الذي لاينفع معه الطرد ولا يريح من لسعاته الحك وقد يؤدي الهجوم لشدته الى هيجان الأبقار وهزيمتها في الحقول والبساتين طمعا في الخلاص منه.

العربيد الأسود 

كان هناك اعتقادا سائدا أن في بعض البساتين يتواجد ثعبان كبير (عربيد ) يتولى حراسة البستان ويقول البعض أنه رأى عند المرور في بستاننا عربيدا ضخما أسودا يجول بين الأدغال ولم نكن نصدق ذلك تماما الا أنه ذات مساء جاء جارنا خليف مرتعدا الى القرية ليقول لولا لطف الله وشفاعة آل البيت لقتلني عربيد بستان كاظم وكانت القصة كما يأتي : تعود خليف وهو رجل كبير السن آنذاك أن يعود من بستانه في المساء التي كانت أبعد بستان عن القرية سالكا الممشى الموازي لساقية النعمانية عبر بستاننا وكان قدومه مسموعا لمسافاة طويلة إذ أنه كان يتنحنح بصوت عال ويفرغ حنجرته بين حين وآخر ولربما كان يفعل ذلك بحكم الحاجة الصحية أو حتى يخيف الحيوانات البرية الخارجة أول الليل طلبا للرزق  وينبه الجان الكامن تحت قش المشى أن يترك مكانه حتى لا يدوس عليه عرضا منعا لعمليات تلبس الجان للبشر الذي  يدوس عليه عند  الغروب حسب المعتقدات السائدة آنذاك .
عندما وصل خليف الى مكان قيلولتنا وكان مستوى الرؤيا قد انخفض  بسبب حلول المساء لاحظ أن شيئا أسودا على شكل دائرة تعلق بغصن التين فوق مكان القيلولة .
قال في نفسه مسكين كاظم العبود لقد نسي عقاله معلق على التينة ومد يده ليأخذ العقال فارتعد بدنه لملمس العقال الذي تلعبط بيده  بقوة . سحب يده مذعورا وأطلق صوت هلع مجلجل وطفر بعيدا عن عربيد البستان الذي كان قد تكور فوق مكان قيلولة أهلها ليقوم بواجب الحراسة كما كان يقول البعض .

عمود البيت وعماد الحياة

كان البشر في قرية البكرلي يعيش في واقع الحال حياة لا تختلف كثيرا عن حياة أسلافه وجيرانه أيام بابل , لا غاز ولا نفط ولا كهرباء ولا ماء صافي ولا شيش تسليح أو سلع معمرة منزلية وعليه كانت مستلزمات الحياة  تعتمد على ما تقدمه  النخلة حيث تكفلت أن توفر له من جدعها  عمود بيته ودعائم سقفه ومن جريد سعفها صناعة سريره ومن خوصها مستلزمات كثيرة لراحته كالمهفة والحصيرة والأطباق وأوعية الخزن ومن السعف والكرب وقود ناره . ولقاء كل هذا كان البشر يعتني بالنخلة سيدة البساتين .

العفريت وغابات النخيل

في كل سنة من سنوات عمرها المديد ونموها واندفاعها الأبدي نحو العوالي تترك النخلة أحزمة من السعف المتيبس الملتصق بجسدها من خلال قاعدة متينة من الكرب اليابس مما يوجب القيام بإزالة هذه الأحزمة كل بضع سنوات ليتمكن المزارع من خدمة المحصول ابتداءا من تلقيح الطلع وتركيس العثوق (اجلاسها على أحزمة السعف الطرية ) وجني التمر من هذه العثوق يدويا قبل جفافها لبعض أنواع التمور التي يطيب أكلها خلال فترة النضوج ولتسهيل قص العثوق بعد الجفاف كما في أنواع التمر الزهدي الذي يشكل معظم التمر الذي يسوق للمدينة في نهاية الموسم.
إن إزالة الكرب والسعف المتيبس ليس بالعملية السهلة على المزارع خصوصا اذا كانت لجميع البستان رغم توفر أدواتها لدى جميع المزارعين وهي (التبلية ) المؤلفة من نسيج من ليف النخل يحاط به ظهر المتسلق ويرتبط بهذا النسيج من خلال عروتين متينتين   حبل حديد مرن يحيط بجذع النخلة وسكينة تكريب ذات مقبض وساق طويلة تنتهي بمنحنى تكون نهايته على شكل  لسان حاد وعادة ما يتم التكريب للمتمرس بثلاث حركات الأولى سحب السكينة على جسم الكربة ولسان السكينة الى الاعلى وداخل المنحنى يحيط بالكربة والثانية سحب السكينة ولسانها بإتجاه الأسفل من حيث بدأت وانتهت الحركة الأولى وبهذا يقتطع شكل بلوري من جسم الكربة والثالثة بسحب السكين بخط مستقيم  على خط اتصال الجز ء الاعلى بالجزء الاسفل من الكربة وبهذا تسقط السعفة والجزء الأعلى من الكربة تاركة قاعدة صالحة من الكربة لموقع قدم من يتسلق بالمستقبل .
ولصعوبة عملية التكريب كان المزارعون يتفقون مع شخص متوسط العمر فارع القامة قوي البنية لتكريب كل بستان لقاء عدد قليل من الدراهم وكان هذا من سكنة مركز الحلة يأتي البستان على حمار أسود ومعه عدته وفطوره وما أن يباشر عملية التكريب حتى يتناهى الى السامع عن بعد صوت عمليات سحب السكين الثلاثة وانفصال  السعفة وكربتها عن جسد النخلة بتتابع منتظم وبسرعة عالية مخيفة مع بزوغ الفجر وكأن ماردا قد انقض بأسنانه الحادة على أعالي نخيل المنطقة  وعندما يسأل المارة في جادة العمار أحدا من مزارعي القرية عما سمعوه فجر مرورهم بالمنطقة  يقال لهم لا شك إنه العفريت يكرب في  أحد البساتين  .
لطالما أبهر الرجل رجال القرية بقوته مما حداهم أن ينعتوه بالعفريت وغالبا ما يتسائلون عن سر قوة الرجل ويدعي الراسخون في العلم منهم أن العفريت يشرب ربعية عرق قبل أن يباشر صعود النخيل ناسين أن على المسكين أن يتوازن أثناء عمله في الأعالي .

قطاف التمور

يبدأ دخول التمر في قائمة غذاء صغار وشباب أهل القرية مع إصفرار تمور الزهدي الذي يشكل غالبية نخل البلاد في بداية تموز تقريبا  ولكن التمرة وتسمى "خلالة " في هذه المرحلة تكون قوية بعض الشيء على السن وخشنة المذاق وعالية الحلاوة ومن الصعب أن يأكل الفرد كفايته منها وعليه يعمد الصبية الى فرشها فوق رمل أوتراب ناعم (ان لم تتوفر صينية فافون)  ورش بعض حبات الرمل عليها وتركها تحت شمس الظهيرة وعندما يتم جمعها بعد الظهر يكون قد تغير لونها الى جوزي ولان داخلها وقلت حلاوتها وطاب أكلها ويطلق على التمر المطبوخ بهذه الطريقة تحت أشعة الشمس بالمشمس (بفتح الشين وتشديد الميم).
بعد مرور أيام على إصفرار التمر الزهدي في عثق النخلة يبدأ جزء من الثمرة بالتحول الى اللون الداكن والليونة ويطيب أكله ويطلق عليه بالمنجد (بتشديد الجيم ).
ينتشر في بساتين القرية بعد نخيل الزهدي نخيل الخستاوي وثمة ميزات خاصة لهذا التمر إذ أنه طيب المذاق في مرحلة المنجد بتشديد الجيم المذكورة أعلاه ولكن على المزارع التأكد من أن أكثر من ثلث ثمرات العثق دخلت مرحلة الرواج   وبخلافه فان قطع الثمر قبل ذلك يشعر جميع العثوق بأن إعتداءا قد حصل ويجف الثمر بشكل غريب ويصبح غير صالح للأكل في هذه المرحلة ولاحقاتها ولا يعرف كيف تستشعر النخلة بالقطف قبل الأوان وكيف ترسل الأشارة الى ثمراتها لتجف وتعاقب الجاني  وما نوع الإشارة التي ترسلها الخستاوية هل هي كهربائية أم كيمياوية وهل هناك سيطرة في جسد النخلة ... الله أعلم.
وتحدث كل سنة في البساتين في تمور الخستاوي خسائر حين يقوم بالقطف صبية غير عارفين بالحالة أو أن البعض لايستطيع مقاومة إغراء الثمار من النخيلات الشابة التي يتدلى ثمرها ويكون في  متناول اليد .
على أية حال بعد إكتمال تمرة الخستاوي نموها يتحول لونها الى الأسود وتجف بعض الشيء وفي الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي  كنا نكبسها في الزير (البستوكة ) للحفظ كجزء من الخزين الغذائي للشتاء وتكون عادة غاية في طيب المذاق  أو تكبس في جلد الغنم الكامل المدبوغ  ( الكيشة ) ويأتي بعد الزير في المذاق ومن ثم في الخصاف المنسوج من ورق سعف النخيل أما الآن فيكبس تمر الخستاوي  في أكياس النايلون ويستعمل للأكل في الشتاء وللحلويات وخصوصا كليجة العيد .
وبالإضافة الى تمور الخستاوي والزهدي تنتشر فرادى في بعض البساتين نخيل البربن والمكتوم والأشرسي.

حصاد التمور (الكصاص)

كان يوم الكصاص بالنسبة لصاحب البستان يوما كبيرا من أيام السنة فهو يمثل ايراده النقدي الأساسي من البستان من تمر الزهدي  وبالنسبة للقرية يمثل يوم انتهاء ثمار الربيع والصيف والولوج الى فصل الشتاء وانتهاء التغذية العفوية من ثمار وخضروات البساتين والإنكفاء الى البيوت والإقتتات على الخزين الجاف .
قبل يوم من الكصاص يبلغ صاحب البستان الكاصوص وهو عادة أحد الشبان الرشيقين في المنطقة (خفة الوزن للوقوف على سعف النخلة مطلوبة ) إن لم يتوفر في العائلة من يقوم بهذه المهمة وينشر الخبر في المنطقة ليكون لدى الشابات الراغبات بجمع المحصول الحضور للغرض المذكور ويطلق على هؤلاء الشابات بالطواشات . ويقوم صاحب البستان بتوفير  مفرش من المشمع (يستعار من الجيران إن لم يتوفر ) وكذلك "سابل" وهو وعاء منسوج من خوص النخيل ويكون بطول متر وربع تقريبا وارتفاع نصف متر يوضع عل ظهر الحمار لينقل المحصول الى بيدر التمر ويسمى الحضيرة .
وتبدأ العملية بالبسملة من قبل  الكاصوص وهو يقص أول عثق ويرمي به الى الاسفل على المفرش وتبدأ الطواشات بجمع التمر المتناثر خارج المفرش وهن يرددن الأغاني والردات الشعبية ومن ثم يبدأ الحمار رحلاته المكوكية بين النخيل والحضيرة .
لا يتقاضى الكاصوص والطواشات أجورهم نقدا بل يتقاضونها عينا بالتمر فللطواشة زنبيل من التمر وللكاصوص شكبان من التمر (سعة عباءة (بشت)) ليعودوا الى بيوتهم في المساء محملين بأجورهم .
قد يستغرق الكصاص عدة أيام حيث يستمر جمع المحصول في الحضيرة  وقد تتعرض الحضيرة في الليل الى السرقة وعلى صاحب البستان أن يحرسها خلال الفترة ولازلت أتذكر أحد ليالي الحراسة في منتصف الخمسينات من القرن الماضي حيث كنت وجارنا مبدر نحرس حضيرتينا المتجاورتين في ظلمة الليل وكانت معي روايتين لجبران خليل جبران .
 في الليل سألني مبدر وهو أمي ما هذه الكتب قلت : روايات مهاجر
قال : وهل لك أن تقرأها لي ؟
قلت : كيف وهذا الظلام  ؟
نهض على الفور وأحضر الكثير من سعف النخل اليابس وأوقد النار قائلا هيا بالله عليك إقرأ. بدأت أقرأ مستقويا في قرارة نفسي  بإختراق كلمات جبران للظلام الدامس المحيط بنا وما قد يحويه من إنس وجن يتربصون بنا أوببيدرنا من التمر.  واستمر مبدر يديم النار ويصيح الله الله بين الحين والآخر كلما أثر فيه جمال عبارة أو حسن القاء .


الحيافة (سرقة المواشي )  والحكواتي ونباح الكلاب

لم يكن تصميم القرية الدفاعي الذي أشرنا اليه إعتباطا لأنه كان ناجما عن حقيقة أن ممارسة السرقة  " الحيافة " كان عملا محترما في ثلاثينات وأربعينات وخمسينات القرن الماضي في قرى العراق بصورة عامة وكان يعاب على الشاب من قبل أمه أو أخته أو زوجته اذا بلغ الرجولة ولم ينخرط مع ثلة من أقرانه في ممارسة الحيافة و ينام ليله في بيته وقد ينشدنه للتأنيب  "نايم يا شليف الصوف نايم والبعورة تحوف" ولانريد هنا أن ندخل في تصاريف وأصل كلمة " البعورة" ونكتفي بالقول بأنها تدل على قلة الشأن .
كان للحيافة أصولها وطقوسها فلا يسرق الحائف جاره بل يذهب مع شلته الى القرى البعيدة حيث يكمنون قرب الدار المراد سرقتها حتى يتأكدون من نوم صاحب الدار وبعد ذلك تتم إزالة جدار الحطب للدار أو فتح فجوة في جدار الطين ليتم من خلالها إقتياد الماشية .ويأخذ اللصوص غنيمتهم ويؤمنوها عادة لدى أحد معارفهم بإنتظار تسوية الأمر مع صاحب المال .
أما سكان القرية فكانوا يسهرون الليالي في حراسة مواشيهم وقد يتناوبون على ذلك ويتنادون في الليالي لأعلام الكامنين من اللصوص بأنهم يقظون  وغير نائمين ويكون لكلب الدار الذي يترك خارجها دور أساسي في التنبيه على وجود اللصوص أو الحيوانات البرية .
كانت عمليات السرقة لاتتم في الغالب عنوة وبالقوة ولاتعني أيضا في الغالب الخسارة النهائية للمواشي حيث يبدأ صاحب المواشي المسروقة بالإستفسار عن مجاميع الحواف العاملة في المنطقة ويبعث لهم من يتفاوض معهم وقد يبعثون هم من جانبهم أحدا الى صاحب الماشية ليعرض عليه التوسط في إرجاع الماشية لقاء بضعة دنانير ما يعرف آنذاك بالـحلاوة  لتعود الأمور الى نصابها وتستأنف عمليات الحيافة والنطارة ( الحراسة ) من جديد .
يبدأ ليل القرية عادة عند المساء وجلوس العوائل للعشاء اذ تبدأ بنات آوى في العويل العالي في البساتين كل ليلة لمدة ربع ساعة تقريبا وكأن لديها نداء  تجمع  أو تعداد وعادة ما تحفز نداءات ابن آوى كلاب القرية على الرد بالنباح المتواصل والتهديد بالهجوم ولكن من مواضع ثا بتة لا تتجاوز محيط القرية ورغم أن بنات آوى هذه غير نباتية الا أنها تهوى اقتطاع صغار الخيار وعضعضته ورميه مثيرة بذلك حنق المزارعين عند تفقد مزارعهم في الصباح .
بعد العشاء يجلس افراد العائلة قرب موقد النار حيث قوري الشاي   داخل الغرف في الشتاء  وفي باحة الدار في الصيف وحيث  أنه لم يكن هناك راديو أو تلفزيون فهم  يتحدثون في أمور الحقل وأخبار ألولاية (الحلة ) . قد يكون هناك ضيوف من قرى بعيدة قطعوا رحلتهم باتجاه المدينة  وحلوا في قريتنا القريبة منها ويكون وجودهم مسليا عادة لأهل الدار وقد تكون هناك زيارة من أحد الجيران لقضاء أمسية مع العائلة (التعلولة ) ومن الزائرين المفضلين لدي واخوتي وأخواتي الجار الحكواتي الذي يقص علينا أخبار ومغامرات السعلوة (الغولة آكلة الأطفال) أوأخبار البعيوة (عقيلة ابن آوى (الواوي ) وأم أبنائه ) حيث نجلس متسمرين خائفين في أماكننا وعيوننا الصغيرة تلمع في ضوء الفانوس الخافت أو ضوء القمر في ليالي الصيف المقمرة ومن هؤلاء الجيران الرواة كان المرحوم صاحب الناهض وابنه المرحوم مهدي والمرحوم عبد الحمزة الشمران .
بعد التعلولة يأوي الجميع الى الفراش ورغم أن  الوالدين ينامون أيضا الا انهم متعودون على الإستيقاظ عند تغيرانماط نباح كلبنا خارج الدار وكلاب القرية بصورة عامة التي قد تأخذ عدة أنماط ولكل نمط دلالة قد يترتب عليها إجراء معين فعندما يزمجر الكلب (يزير ) يكون على وشك الإشتباك مع كلب آخر أوحيوان بري وعادة ما تهمل هذه الحالة الا إذا تطورت الى الحالة الثانية عندما يطلق الكلب صوتا بنبرة رفيعة عالية تنم عن الألم عندها قد تعني انه تعرض الى ضربة من بشر أو عضة من حيوان  مما يتطلب الأستطلاع ولو من السطح إذ قد يكون المعتدي حرامي . إذا استمر الكلب بالنباح الشديد مع ما يدل عل الحركة و تغيير المسافة فانه في هذه الحالة يحاول منع شخص أو أشخاص من دخول المنطقة ويلاحقهم في سيرهم مع محاولة مباغتتهم وعضهم وفي هذه الحالة قد يطلق صاحب الدار اطلاقات نارية تحذيرية باتجاه الصوت ان توفر لديه سلاح ناري أو ينادي على الجيران بالحيطة والحذر (دير بالكم ) بهدف إبلاغ ساري الليل بأن القرية تعرف بوجوده .
ينبح الكلب أحيانا بنبرات ثلاثية متقطعة ويستمر فترة طويلة على ذلك  وعند تدقيق الهدف في هذه الحالة يتبين أن لا شيء هناك ويعتقد البعض أن نباح الكلب هذا ناجما من أنه  يرى ما لا يراه الإنسان من الجن .
من أبغض الأصوات التي قد يطلقها الكلب في صمت الليل هو العواء المشابه لعواء الذئب ويعتقد الناس هنا أنه يشم رائحة الموت ويتطاير من لديه مريض خوفا ويذهب لمطاردة الكلب بالحجارة لإيقافه عن العواء .

هلال العيد

في أواخر الأربعينات من القرن الماضي ولعدم وجود الراديو والتلفون بعد لدى أهالي القرية كان تحديد حلول العيد يتقرر من قبل سكان القرية أنفسهم دون الحاجة الى فتوى رغم أن القرية لا تبعد عن مركز لواء الحلة سوى نصف ساعة تقريبا مشيا على الأقدام .
عند الغروب في الأمسية التي يتوقع أن يظهر فيها الهلال يخرج ثلة من رجال القرية ومعهم بندقية الى أكتاف جدول البازول  يتفحصون السماء بحثا عن الهلال وعندما يلوح لهم الهلال يبدأ حامل البندقية بالرمي تجاه الهلال .وحيث ان القرى الأخرى تكون قد فعلت الشيء ذاته فما هي إلا ثواني وتسمع صوت الإطلاقات تتجاوب مع بعضها عبر القرى ولمسافات بعيدة ويحل العيد .
أما نحن أطفال ذلك الزمان كنا  نفيق مبكرا لندشن دشداشة العيد ذات اللون الشكري القابل للصبغ حيث أنها تفسل ويتم خزنها لتخرج مرة ثانية لتصبغ باللون الأسود وتلبس أيام عاشوراء .
قضاء أيام العيد كان بالنسبة لنا وفق جدول ثابت حيث نذهب في اليوم الأول الى مرقد الامام إبن الحسن بحدو ثلاثة أرباع الساعة  سيرا على الاقدام حيث يتجمع القرويون هناك ويشكل الشباب عادة حلقات الجوبي ويصدح صوت المطبك (آلة موسيقية من أنابيب الخيزران) بمرافقة المغني (الكوال) .
اليوم الثاني مخصص للذهاب الى مرقد الإمام عمران إبن علي قرب آثار بابل ويتم الذهاب الى هناك بالباصات الخشبية أو حتى سيارات الحمل بعشرة فلوس للنفر ويتجمع الناس وتشكل حلقات الجو بي . وفي الصيف يكون البقاء قليلا بسبب حرارة الشمس  لعدم وجود أشجار في الساحة أمام المرقد.
اليوم الثالث مخصص للذهاب الى مرقد النبي أيوب بنفس الوسائل و الإجور .ويقع هذا المرقد في الجانب الثاني من شط الحلة (الصوب الكبير) وعلى أطراف المدينة ووسط غابة من أشجار النخيل وعلى ضفاف الشط وبجانبه بئر قديم .ويكون الإزدحام في هذا المكان الضليل كبيرا جدا مقارنة بالموقعين الآخرين  وتنصب فيه أراجيح كثيرة من جذوع النخل مربوطة بحبال بأشجار النخيل وتباع في هذا المكان المشروبات الغازية التي تسمى بالسيفون والنامليت ويكون هذا اليوم أفضل ألأيام بالنسبة لنا حيث نتفرج على حلقات الجو بي  الكثيرة وعلى الشباب والشابات بملابس العيد الجديدة .     

الحفلة الكبرى

إتفق أهالي القرية أواخر الأربعينات على طهور جمماعي لأولاد القرية وإقامة إحتفالات على مدى عشرة أيام بهذه المناسبة وذهب وفد منهم الى منطقة الكاولية (الغجر) لإحياء هذه الحفلة.
تألفت فرقة الكاولية من ستة رجال وثمان بنات وحلت ضيفا على أحد البيوت وكان سياق العمل في المساء أن تمد البسط والحصران على محيط مساحة من الارض بحدود 10 م x  20 م وتعلق الفوانيس الكبيرة (اللوكسات) على أعمدة مثبتة وسط الساحة . تأخذ فرقة الرجال الغجرية مكانها على الضلع الأصغر من المستطيل وهي تتألف من ناقري الطبل وعازف ربابة واحد يكون في بعض الاحيان المغني أو الرداد .تجلس نساء القرية للفرجة خلف الفرقة ويجلس الرجال والضيوف على الثلاثة أضلاع الباقية من الساحة  ويجلب بعض الرجال العرق والمزات لزيادة المتعة .
يصدح الطبل والربابة وتنزل الى الساحة الوجبة الاولى من أربع كاوليات يرتدين الفوطة /الشيلة على رؤسهن ويرقصن بحركات دائرية في الساحة لمدة ربع ساعة تقريبا وأثناءيختار بعض الرجال جليسات  منهن لفترة الإستراحة ويتم الإختيار بأن يقوم الرجل بأخذ شيلة من يريد مجالستها لتأتي عند انتهاء وصلة الرقص لتجلس بجانبه ومن لاتؤخذ شيلتها تعود خائبة لتقضي الاستراحة مع الفرقة وعندما تنتهي الاستراحة تضع البنت الشيلة على رأسها وتستلم أجرتها عن المجالسة والذي كانت آنذاك مائة فلس وتسلمها الى كبير الفرقة وتنخرط في الرقص من جديد حيث تأخذ الوجبة الثانية من الراقصات استراحتها وهكذا تستمر وصلات الرقص والغناء الى وقت متأخر من الليل .
غالبا ما تكون الغجريات غير جميلات وإن حدث وكانت احداهن جميلة أو مغنية جيدة يذيع صيتها وتطلب فرقتها في حفلات الأعراس والطهور  ويتشجع البعض على القيام والرقص أو الغناء معهن أثناء الحفلة واطلاق النار من البنادق والمسدسات كعلامة إستحسان . وتغنى عادة آخر الأبوذيات والبستات السائدة في ذلك الوقت.
في اليوم العاشر يكون هناك عشاء لكل الحاضرين قبل آخر حفلة .
 طبعا كنا سعيدين جدا بهذه الحفلة الليلية الممتعة على مدى الأيام العشر وحالمين بجمال أجمل الغجريات (عبلة ) صاحبة الوجه الدائري الأبيض  كالبدر التمام والعيون السوداء مجللة بشعر كسواد الليل الحالك .  ولكن مع صباح اليوم الحادي عشر يذهب الفرح وينتهى الأنس ونجلس على الفراش بدشاديش بهيجة بإنتظار سكينة المطهرجي .


 وعندما تأتي اللحظة الحاسمة يمسك الأشداء من الرجال بأيدينا ويفتحوا أرجلنا بالقوة المفرطة ويصيح الأهل : باوع  عبودي ليفوك  (للأعلى )  طيور ذهب  طايرة بالسماء وحينها تتسلل سكينة المطهرجي لتجز التغليف الزائد لآلة التكاثر .

بابل - العراق - البكرلي

صفقة القرن ة وعظمة القصاب

في أوائل القرن الماضي كان حلاق المحلّة يقوم بأعمال الطبيب إضافة الى وظيفته. ذات يوم أصيبت عين قصاب المحلة بجزيئة فُتات عظمة إستقرت ف...